فخر الدين الرازي
25
المطالب العالية من العلم الإلهي
هذا التكليف إلا حصول منافع مخصوصة إليّ ، كان « 1 » ] كل المقصود رعاية أحوالي [ فتعذيبي على تركها يناقض رعاية أحوالي « 2 » ] فكان الجمع بينهما متناقضا . ومثاله : أن يقول السيد لعبده : اجتهد في هذا اليوم في كسب درهم لنفسك ، فقصّر العبد في ذلك ، فأخذه السيد ، وقرض أعضاءه بمقاريض من النار . فيقول العبد : أيها السيد : هل كنت في ذلك الدرهم لنفسك ؟ أو كنت فارغا عن جميع المطامع العائدة إليك ، وإنما أمرتني بكسب ذلك الدرهم لمصالح نفسي فقط ؟ فإن كان الأول ، كان هذا التعذيب حسنا ، لأني سعيت في تفويت مطلوبك . وأما إن كان الحق هو الثاني ، كان هذا الفعل باطلا . لأن العبد يقول : إنما أمرتني بكسب ذلك الدرهم لنفسي ، ولتكون منافعه عائدة إليّ ، لا إليك . فلما [ قصرت في تحصيله ، فأنا ما قصرت إلا في تحصيل المنفعة لنفسي . وتعذيب الإنسان لأجل أنه « 3 » ] قصر في تحصيل مصالح نفسه ، قبيح في العقول . لأن رعاية مصالحه ، إن لم تكن واجبة الرعاية ، كان تكليفه لتحصيل ذلك الدرهم لنفسه : غير واجب . وإن كانت واجبة الرعاية ، فأهم المهمات له : إزالة العقاب . فكان إيصال العقاب إليه ، لأجل أنه قصر في حق نفسه : فعلا متناقضا . وبهذا يظهر الفرق بين الشاهد والغائب [ فإن السيد إذا أمر عبده بعمل ، فقصر فيه ، فإنه يستحق الملامة والتعذيب . وذلك لأن السيد إذا أمره بذلك العمل ، ليستفيد منه نوعا من أنواع المنافع ، فلما قصر العبد فيه . فقد فات على السيد تلك المنافع ، فحسن منه تعذيب ذلك العبد . أما هذا في حق اللّه محال . فكان تعذيب العبد على ترك التكاليف والأعمال : قبيحا . فظهر الفرق بين الشاهد وبين الغائب « 4 » ] . وأما القسم الثالث والرابع : فهما باطلان بالوجوه المذكورة في الحجة الأولى .
--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) من ( ل ) . ( 3 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 4 ) من ( ل ) ، ( طا ) .